السيد محمد الكثيري
109
السلفية بين أهل السنة والإمامية
وميلا بالاستنباط إليه عن القياس ما أمكن ( 12 ) . لذلك كان قليل الأتباع وكاد أن يندرس لولا أن تداركه ابن تيمية في القرن السابع . ومع محمد بن عبد الوهاب النجدي سيعرف هذا المذهب عصره الذهبي الآن ، لكن ليس بعنوان المذهب الحنبلي وإنما تحت عنوان آخر هو " السلفية " حيث خصصت السلطات الحاكمة في نجد أموالا طائلة لنشر هذا المذهب وبعث كتبه والدعوة إليه . ومهما يكن فقد استطاعت المذاهب الأربعة أن تخطوا خطوات في ساحة الرقي وتكتسب قيمتها المعنوية ، لأنها كانت موضع عناية الخلفاء والولاة المتعاقبين . بالرغم مما رافقها من خلافات ومنافرات ، فعناية السلطة تكسب الشئ لونا من الاعتبار والعظمة حسب نظام السياسة لا النظام الطبيعي . فعوامل الترغيب ووسيلة القوة جعلتها تأخذ بالتوسع شيئا فشيئا ، ولولا ذلك لما استطاعت البقاء حتى تصبح قادرة على مزاحمة غيرها ( 13 ) . إن السلطات الحاكمة على طول التاريخ الإسلامي لم تكتف بصناعة المذاهب ودعمها وتقويتها وفرض إتباعها على الجماهير المسلمة ، ولكن حددت هذه المذاهب وحصرتها في أربعة ومنعت العامة من تقليد غيرها ، وحذرت الخاصة من تجاوزها أو إنشاء مذاهب أخرى جديدة . أي منعت الاجتهاد وأغلقت بابه وجعلته حكرا على من مضى من " السلف " وفرضت على " الخلف " التقليد والامتثال ، وحفظ مسائل وأجوبة هؤلاء الأئمة من السلف . قال شهاب الدين الزنجاني الشافعي وأقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني الحنفي : إن المشايخ كانوا رجالا ، ونحن رجال . فأوصل الوزير ما أجابوا به إلى المستعصم ، وكان قد تولى الملك بعد أبيه المستنصر فأحضرهم أمامه ، وطلب منهم جميعا أن يلتزموا ذكر كلام المشايخ ويحترموهم ، فأجابوه
--> ( 12 ) تاريخ العلامة بن خلدون ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، 1983 م ، ج 3 ، ص 803 . ( 13 ) أسد حيدر ، ج 1 ص 171 .